أبي منصور الماتريدي

89

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يحتمل أن يكون معناه : قوا أنفسكم مما تدعو إليه أنفسكم ؛ لأن الأنفس « 1 » تأمرهم بالسوء وتدعوهم إليه ؛ كما قال الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [ التغابن : 14 ] . وجائز أن يكون قوله تعالى : قُوا أَنْفُسَكُمْ ، أي : قوها عن الطريق الذي إذا سلكتموه أفضى بكم إلى النار ، وقوا أهليكم - أيضا - عن ذلك الطريق ، وذلك يكون بالعمل ؛ لأن العمل على ضربين : عمل يفضي بصاحبه إلى الجنة ، وعمل يفضي بصاحبه إلى النار ، فيكون التقوى في هذا الوجه راجعا إلى الأعمال ، وفي الوجه الأول إلى الأنفس . ويحتمل قوا أنفسكم باكتساب الأسباب التي هي أسباب النجاة عن العطب والهلاك ، وأهليكم في أن تعلموهم الأسباب التي هي أسباب الخلاص من النار . وقال مجاهد : تأويله : قوا أنفسكم [ وأهليكم ] « 2 » النار « 3 » ، ثم علمنا وجه الاتقاء بقوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ البقرة : 201 ] . قال : من التضرع إليه والفزع لديه ؛ ليكون هو بفضله يقي عنا النار ؛ لما علم ألا نصل إليه بقوى أنفسنا وحيلنا . وقوله - عزّ وجل - : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ . فهذا على المبالغة في وصف شدة النار ، وأخبر أن شدتها تنتهي إلى هذا في أن صير الناس وقودا لها وكذلك الحجارة ، والناس والحجارة لا يتقدان في النار ؛ لأن النار إذا عملت في الإنسان حرقته ولم تبقه « 4 » ؛ فلا يصير وقودا ، وكذلك إذا أصابت الحجارة رضّتها ولاشتها ، فيكون فيه تبين شدتها ؛ إبلاغا في الزجر . وجائز أن يكون أريد بالحجارة : التي اتخذوها أصناما يعبدونها من دون الله ، فكانوا يعبدونها لتنصرهم وتدفع عنهم العذاب ؛ كما قال تعالى : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ [ يس : 74 ] ، وقال : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا . كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [ مريم : 81 ، 82 ] ، أي : تصير « 5 » عذابا عليها ، وهم رجوا أن تكون سببا لخلاصهم ؛ فصارت عليهم ضدّا . وقوله - عزّ وجل - : عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ .

--> ( 1 ) في ب : النفس . ( 2 ) في ب : ولتقى أهلوكم . ( 3 ) أخرجه ابن جرير بنحوه ( 34440 ) . ( 4 ) في أ : ينفذ . ( 5 ) في أ : يصيروا .